سيد محمد طنطاوي
165
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والدابة : كل ما يدب على وجه الأرض ، مشتقة من الدب بمعنى الحركة . قال الجمل : قال العلماء ، السجود على نوعين : سجود طاعة وعبادة كسجود المسلم للَّه - عز وجل - وسجود انقياد وخضوع كسجود الظلال فقوله : * ( ولِلَّه يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * . يحتمل النوعين ، لأن سجود كل شيء بحسبه ، فسجود المسلمين والملائكة سجود طاعة وعبادة ، وسجود غيرهم سجود خضوع وانقياد . . » « 1 » . وأوثرت « ما » الموصولة على من ، تغليبا لغير العقلاء ، لكثرتهم ولإرادة العموم . وقوله : « من دابة » بيان لما في الأرض ، إذ الدابة ما يدب على الأرض أو - كما يقول الآلوسي - بيان لما فيهما ، بناء على أن الدبيب هو الحركة الجسمانية ، سواء أكانت في أرض أم سماء . . » « 2 » . وقوله « والملائكة » معطوف على « ما » في قوله « ما في السماوات وما في الأرض » من باب عطف الخاص على العام . وخصهم - سبحانه - بالذكر تشريفا لهم . ورفعا لمنزلتهم ، وتعريضا بالمشركين الذين عبدوا الملائكة . أو قالوا هم بنات اللَّه . قوله « وهم لا يستكبرون » أي : والملائكة لا يستكبرون عن إخلاص العبادة له ، وعن السجود لذاته - سبحانه - بل هم « عباد مكرمون لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون » . ثم وصفهم - سبحانه - بالخشية منه ، وبالخوف من عقابه فقال : « يخافون ربهم من فوقهم ، ويفعلون ما يؤمرون » . أي : أن من صفات الملائكة ، أنهم يخافون ربهم الذي هو من فوقهم بجلاله وقهره وعلوه - بلا تشبيه ولا تمثيل - ، ويفعلون ما يؤمرون به من الطاعات ، ومن كل ما يكلفهم به - سبحانه - دون أن تصدر منهم مخالفة . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد وصفت اللَّه - تعالى - بما هو أهل له - سبحانه - من صفات القدرة والجلال والكبرياء ، حتى يفيء الضالون إلى رشدهم ، ويخلصوا العبادة لخالقهم - عز وجل - .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 574 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 157 .